السيد محمد حسين فضل الله

349

من وحي القرآن

الشرعية ، كما أن المهر لا علاقة له بصحته ، كما في المعاوضات المالية التي لا تصح إلا مع ذكر العوض ، فلا يصح البيع بلا ثمن ، والإجارة بدون أجرة . . . فإن الزواج يمثل ارتباطا بين شخصين من خلال إرادتهما الحرة القائمة على التراضي ، بحيث يعطي كل منهما الآخر من نفسه ، في مقابل ما يعطيه الآخر من نفسه في نطاق الدائرة التي يملك فيها أحدهما الآخر من خلال الحقوق المفروضة بالعقد أو بالشرط ، فلا علاقة للمال في الموضوع ، ولذلك عبر اللّه عن المهر بأنه « نحلة » ، وهي العطية من دون مقابل في قوله تعالى : وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [ النساء : 4 ] . وإذا كان قد عبّر عنه في بعض الآيات بالأجر ، فإنها واردة على سبيل المجاز أو المسامحة ، من حيث إيحاء الجانب الشكلي بذلك عندما يذكر في المهر أو يتحقق الاستمتاع بالمرأة . وفي ضوء ذلك ، لا مانع من الطلاق حتى في حالة عدم المواقعة وعدم فرض المهر ، لأنه يتضمن فسخ العقد الذي شرع العلاقة في الواقع ، وَمَتِّعُوهُنَّ أي : أعطوهن من مالكم ما يفتح قلوبهن ، ويوحي إليهن بالمحبة ، تماما كما هي الهدية التي يقدّمها الإنسان للإنسان تدليلا على اهتمامه به ، فلا يشعرن بأن هذه العلاقة التي بدأت من موقع الإخلاص للأشخاص الذين ارتبطن بهم ، ولذلك لم يشترط المهر في العقد ، فأقدمن على زواج لا مهر فيه ، سوف تنتهي من دون أن يقدم لهن هؤلاء الرجال أي شيء يوحي بعرفان الجميل ، ولو كان ذلك بشكل رمزي . وهكذا أراد اللّه لهذه العلاقة أن تنتهي بمبادرة إنسانية ، يقدمها الزوج لزوجته بعد الطلاق كهدية يمتعها بها روحيا وماديا ، بحسب الحجم المادي للزوج ، عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ فيعطي بالكمية التي تتناسب مع إمكاناته المادية الجيّدة ، مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ ، فتكون المتعة رمزية في دلالتها على الاهتمام بها تبعا لحاله ، حَقًّا مفروضا عَلَى الْمُحْسِنِينَ الذين عاشوا